آخر تحديث للموقع : الخميس - 03 أبريل 2025 - 08:59 م

مقالات


حنين الأماكن

الخميس - 20 مارس 2025 - الساعة 03:54 ص

عيدروس النقيب
الكاتب: عيدروس النقيب - ارشيف الكاتب



في فترة ما من أربعينات ثم خمسينات القرن الماضي طارت شهرة مدينة عدن في عموم المناطق الريفية المجاورة والبعيدة، خصوصاً بعد افتتاح الوكالات التجارية وازدهار حركة العمران وتطور نشاط الميناء والمطار وما رافق ذلك من تدفق للسواح والتجار من أقطار شتى، وما ترافق مع ذلك من تنامي أعداد الجاليات الأجنبية القادمة من الهند والباكستان والصومال فضلا عن العلائلات البريطانية والعائلات العدنية الثرية.
وصل الصبي حمود مثل مئات الصبية والشباب القادمين إلى عدن من الأرياف للبحث عن عمل، كان عمر حمود لا يزيد عن أثنتي عشر سنة، وفي البداية تنقل في العمل بين عدد من العائلات الهندية والباكستانية والعدنية كخادم في المنازل يعمل في خدمة المشتريات ورعاية الأطفال واللعب معهم مقابل أجر يومي ضئيل يضافُ إلى وجبات الطعام التي يتناولها مع الأطفال أو ما يتبقى من طعامهم، وفي التنقل بين العائلات المختلفة التي لم يستقر عند أيٍ منها أكثر من ثلاثة أشهر، حتى يتركها بسبب سوء المعاملة أو شحة الملبغ الذي يتقاضاه، كان يعمل شهراً أو شهرين نادلاً في مطعم أو بائعا في دكان للمواد الغذائية أو الخضار والفواكه أو محلات بيع الملابس، لكنه استقر أخيراً لدى السيد آرنست هاملتون الضابط الكبير في الاستخبارات البريطانية في عدن، حيث لاقى استحسان زوجته السيدة ديبي هاملتون التي رأت فيه أداة طيعة لتلبية حاجاتها بينما ينشغل زوجها طوال النهار في القاعدة العسكرية البريطانية، ولا يعود إلَّا آخر النهار وأحيانا في الليل.
سنوات أمضاها حمود في منزل العائلة هاميلتون نما خلالها جسديا ونمت معه قدراته الذهنية والمعرفية وتحسن مستوى تعامله مع السيدة وزوجها، كما مكنته الحياة السابقة مع العائلات العدنية والأجنبية (الراقية) من تعلم انتقاء هندامه والعناية بمظهره وإتقان إيتيكيت التخاطب والتعامل باحترام رفيع ولياقة عالية مع من يتحدث إليه، وهو ما جعل السيدة ديبي تتعامل معه كثالث أفراد الأسرة المكونة منها ومن زوجها فقط، وربما كان أكثر قرباً إليها من زوجها، السيد أرنست الذي لم يكن يقضي معها إلا قليلاً من ساعات ما بعد الدوام الرسمي ليخلد إلى النوم بعد يوم دوامٍ منهك.
وبمقابل ذلك حاز حمود على ثقة السيدين آرنست وديبي هاملتون، فكانا يعتمدان عليه في معظم حاجاتهما ليس فقط ما يتعلق بالمشتريات وأعمال اللاوندري والمطبخ والمراسلات، بل وحتى في بعض الأشغال التي لا يفترض أن تكون من بين وظائفه، مثل فتح غرفة النوم وترتيب السرير، وفتح دولاب الملابس لإحضار تلك البدلة أو ذاك الثوب، أو بعض الملابس الداخلية للزوجين، حتى إن السيد آرنست يرسله إلى غرفة المكتب لإحضار بعض الملفات أو المستندات، وبمرور الأيام صار يعرف عناوين الملفات ومحتوياتها، فعندما يطلب منه آرنست رسالة الجهة الفلانية، يذهب للبحث عنها في ملف الرسائل الواردة من تلك المؤسسة أو الإدارة أو القسم، ولم يعد يعاني صعوبة في أداء مهمة الأرشفة وحفظ الوثائق التي وفر فيها على السيد آرنست بعض المجهود.
بمرور الأيام والأشهر بدأ حمود يحس بتغير ملحوظ في تعامل السيدة ديبي معه، من حيث تزايد استلطافها له وتحسين المكافأة وتقديم بعض الهدايا له، لكن التغير الأهم الذي أحس به حمود هو عندما كانت السيدة ديبي تطيل الإمساك بيده وتتلاعب بأصابعه وهي تحدثه عن بعض الطلبيات التي تكلفه بشرائها، وتستمتع باستسلامه وارتخائه وانبعاث الحرارة من كفيه وهي تلامسهما، وكان حمود الذي اقترب من الخامسة عشرة يتلذذ بتلك اللحيظات، لكنه وهو ابن الريف المحافظ والحياة التقليدية جداً، كان يخشى مما قد يكمن وراء هذا التصرف الغريب المريب، وأن يكون المقصود منها هو ما خطر بباله من الانسياق إلى عالم المعصية.
خلال فترة الخدمة لدى عائلة هاملتون تمكن حمود من استغلال أوقات فراغه الكثيرة، خصوصاً بعد نهاية دوام عمله في تحسين قدرته على القراءة والكتابة وإتقان اللغة الإنجليزية، وقد صارح سيدته بحاجته إلى بعض الساعات لتعلم قواعد اللغة العربية والرياضيات حيث أن ساعات ما بعد الدوام لا تكفيه للتعلم، وكان قد أكمل المتوسطة عن طريق الانتساب في إحدى المدارس الأهلية.
- ماذا تريد هامود؟
تساءلت ديبي بما يشبه التوسل وبلكنة عدنية مكسرة.
- هل ستتركنا وتذهب لسبيلك بعد أن تكمل تعليمك؟
قالت بما يشبه الاستنكار والحزن، لكن حمود طمأنها بأنه ينوي فقط تحسين مستواه التعليمي وإنه لا يمكن أن يلاقي عملاً أفضل مما يجد في منزلهم.
وقد وافقت له السيدة ديبي على أن يذهب ساعتين كل يوم بين الثانية عشرة والثانية ظهراً على أن يعود بعد الثانية قبل العودة المفترضة للسيد أرنست من الدوام.
- لكن على شرط، أن تنفذ لي كل ما أطلبه منك!
قالتها بمفردات فضفاضة، وقد وافق حمود على الشرط فرحاً بحصوله على هذه الفرصة، مع يقينه أنه كان يعمل لها كل ما كانت تطلبه بلا اشتراطات، لكنه فضل عدم التساؤل عن الجديد في هذا الشرط حتى لا يفسد على نفسه تلك الفرصة، وحتى لا يتوه في عوالم التخمين وسحر التوهم والتطلع للمفاجآت التي يخشى حصولها.
وما تنبغي الإشارة إليه هو أن حمود، وأثناء تنقله بين المدارس والصفوف الدراسية قد تعرف على عدد من الطلاب المنخرطين في النشاطات الثقافية والطلابية التي تقيمها الحلقات والاتحادات الشبابية والطلابية التي يمثل بعضها رديفا للأحزاب السياسية المنتشرة في عدن والجنوب عموماً.
وبعد سلسلة من الفعاليات تعرف حمود على ما تمر به البلاد من حراك وطني ومواجهات سياسية تستهدف تحرير البلاد من الاستعمار وإقامة حكم وطني يمكن أبناء البلاد من تسيير شؤون وطنهم بأنفسهم بلا وصاية ولا حماية من الاستعمار وأعوانه.
وقد انخرط حمود أخيراً في عضوية الاتحاد الوطني لطلبة جنوب اليمن، الذي ينظر إليه كثيرون على إنه الذراع الشبابي والطلابي للجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل.